خرافة التوحيد الأخناتونى

159

 

 

 

كتب/ الدكتور عبد الأخر حماد

وقفْتُ على تغريدة كتبها المدعو إبراهيم عيسى ،ينقل فيها شيئاً من تراتيل الملك الفرعوني ” أخناتون ” التي كان يناجي بها إلهه ، ومنها قوله : ( أيها الإله المعبود الذي صنع نفسَه ، الذي صنع كل أرض وخلق كل ما عليها .. .. ) إلخ ، وقد علق إبراهيم عيسى على ذلك بقوله : ( هذه تراتيل أخناتون سنة 1369 قبل ميلاد المسيح . وقبل بعثة سيدنا محمد ب 1980 .. مصريون مؤمنون قبل الأديان ).
ثم وقفت على ردٍّ من الدكتور عبد الله رشدي على تلك التغريدة ، ركَّزَ فيه على بطلان أن يكون الإله صانعاً لنفسه ؛لأن ذلك يعني أنه كان موجوداً قبل أن يكون موجوداً ،وأنه خالق ومخلوق في آن واحد .
وهذا الذي ذكره الدكتور عبد الله رشدي صحيح بلا شك ، ولكن لكي يكتمل الرد لابد من الإشارة إلى أمور ثلاثة في غاية الأهمية :
أولها: أن من أجهل الجهل ما يظنه كثير من الذين يسمون أنفسهم بالمثقفين -كإبراهيم عيسى وأمثاله- مِن أنَّ الرسالات السماوية ثلاث رسالات فقط ، هي اليهودية والمسيحية والإسلام ،ولهذا يقولون إن مصر عرفت التوحيد قبل نزول الأديان . وهذا باطل قطعاً ، لأن توحيد الله عز وجل والأمر بعبادته وحده هو العقيدة التي هبط بها آدم عليه السلام إلى الأرض ، ثم جاءت الرسل من بعده لتجديد تلك العقيدة ومحاربة ما داخلها من الشرك والأباطيل ،وقد كان تمام ذلك ببعثة سيد الأولين والآخرين ،الذي جاء بالدين الخاتم موافقاً ومتمماً لكل ما سبقه من الشرائع ؛ كما قال تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ .. ) . [ الشورى : 13].
وعلى ذلك فلو صح أنه كان هناك توحيد وعبادة لله وحده عرفتها مصر القديمة أو غيرها من الأمم ،فإنما ذلك من آثار دعوة الأنبياء والمرسلين ، لا من بنات أفكار البشر كما يزعم إبراهيم عيسى وأمثاله .
والأمر الثاني : هو أن من أسخف القولِ الادعاءَ بأن “أخناتون” كان داعيةً للتوحيد في مصر القديمة، وأنه دعا الناس إلى عبادة الله وحده. فإن الحقيقة التي تشير إليها دراسة آثار هذا الملك هي أنه لم يكن إلا داعيةً من دعاة الكفر والوثنية، وكل ما فعله -مما يسمى توحيداً – هو أنه عمل على جمع الآلهة التي كان يعبدها المصريون في إله واحد ،هو معبوده آتون أي قرص الشمس .وقد كان وراء تلك الدعوة هدف سياسي بحت ،وهو الحد من سيطرة المعبود ( آمون رع ) وكهنته على الحكم في تلك الفترة ،كما يذكر الدكتور حسين عبدالبصير مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية ،في مقال له بعنوان : ( أخناتون البداية والنهاية ) منشور بجريدة الشروق في 2 ديسمبر 2018 .ومن أجل ذلك نقل أخناتون عاصمة ملكه من طيبة ،إلى مدينته الجديدة “آخت آتون” ( أي أفق الشمس ) ،والتي موضعها الآن منطقة تل العمارنة بمحافظة المنيا .
بل يكفي أن نعلم أن أخناتون كان اسمه أمنحوتب الرابع ( أو أمينوفيس الرابع ) فغيره إلى (أخناتون) الذي معناه (عبد قرص الشمس). كما يذكر الدكتور حسين فوزي في كتابه سندباد مصري ( ص: 262 )، فهل هذا من توحيد الله تعالى في شيء؟
أما الأمر الثالث : فهو بيان تلبيس مَنْ زَعمَ أن مصر في عصر الفراعنة لم تكن وثنية ، وذلك مثلما ذكره خالد الجندي في برنامجه” لعلهم يفقهون ” منذ بضعة أشهر ؛حيث زعم أن الفراعنة لم يكونوا كفرةً ، وأن الكافر هو فرعون فقط ( يقصد فرعون موسى ) . كما زعم أن الفراعنة كان فيهم المؤمن وكان فيهم الكافر –كما هو الحال في كل عصر- ، مستدلاً بمثل ما ورد في سورة غافر عن مؤمن آل فرعون ، وما ورد في القرآن والسنة عن آسية امرأة فرعون ، ونحو ذلك ..
وأقول إن العرب –قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم – كان فيهم أيضاً مؤمنون موحدون ،هم الحنفاء ، ولكنَّ ذلك لم يمنع مِن نعت أهل تلك الفترة بالشرك والوثنية ،وتسميةِ تلك الفترة بالجاهلية كما نطق بذلك القرآن الكريم . وذلك لأن العبرة بما كان عليه غالب الناس ، وما كانت تدل عليه الديانة التي تسود البلاد في ذلك الوقت .
ومصر طوال العصر الفرعوني ثم ما تلاه من حكم البطالسة والرومان كانت ديانتها الرسمية هي العقيدة الوثنية ، حيث عبدوا – كما يذكر المؤرخون- العجلَ والكبش والجُعَل والتمساح وغير ذلك من المعبودات الوثنية ،واستمر ذلك إلى أن دخلتها الديانة النصرانية في فترة حكم الرومان . وآثارُ القوم التي تُرى إلى اليوم في معابدهم شاهدة على هذا الذي ذكرناه .
ومن أجل ذلك فإنه لما تحولت مصر إلى المسيحية في العصر الروماني ، وصدر مرسوم من الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس في عام 395م بحظر عبادة الأوثان في أنحاء الإمبراطورية ،فإن الشعب المصري أخذ بقيادة قساوسته ورهبانه -كما يقول الدكتور حسين فوزي -: ( يهدم الأوثان ويلطخ صور المعابد والمقابر ،وينزل بمعاوله على كل ما يستطيع تبطيطه منها ،وتسويته بسطح الأرض ، أو هو يحولها إلى كنائس وصوامع ) .[ سنندباد مصري ص: 238]. وما ذلك إلا لأنهم علموا أن الديانة السابقة كانت نوعاً من الوثنية.
وبعد : فإن المسلم الحق إنما يفتخر بدينه ،وما هداه الله إليه من عقيدة التوحيد . وأما هؤلاء الذين يفتخرون بأهل الشرك والوثنية ،فإليهم نهدي هذا الحديث الذي يرويه أُبيُّ بن كعب رضي الله عنه قال : ( انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بْنِ فُلَانٍ ، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انتَسَبَ رجُلانِ على عهدِ مُوسَى ، فقال أحدُهما : أنا فلانُ بنُ فلانٍ ، حتى عدَّ تِسعةً فَمَنْ أنْتَ لا أُمَّ لَكَ ؟ قال : أنا فلانُ بنُ فلانٍ ابنُ الإسلامِ . فأوْحَى اللهُ إلى مُوسَى أنْ قُلْ لهذيْنِ المنتسِبَيْنِ : أمَّا أنتَ أيُّها المنتسِبُ إلى تِسعةٍ في النارِ فأنتَ عاشِرُهمْ في النارِ ، وأمَّا أنتَ أيُّها المنتسِبُ إلى اثنيْنِ في الجنةِ فأنَتَ ثالِثُهُما في الجنةِ ).[ أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند ،والبيهقي في شعب الإيمان ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ( 8/ 65) وقال : “رجاله رجال الصحيح غير يزيد بن زياد بن أبي الجعد وهو ثقة” .وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1270) وصحيح الجامع ( 1492) ].
فاللهم اجعلنا ممن ينتسبون لأهل الجنة فنكونَ معهم من الفائزين ،والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق