كريم المصري يكتب : ولادة متعثرة.. فهل يكون المولود سليماً؟
في مشهد يكرس مبدأ “الشفافية والحياد” الذي لا يحتمل التأويل، شهدت المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب تدخلاً رئاسياً مهماً، لم يكن متوقعاً بهذه الحدة.. فبتوجيهات مباشرة من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، طالبت اللجنة العليا للانتخابات بضرورة ضمان أعلى معايير النزاهة والمساواة بين جميع المرشحين.
كانت النتيجة قراراً جريئاً، وربما غير مسبوق بهذه الصراحة، تمثل في إلغاء نتائج بعض الدوائر الانتخابية وإعادة الانتخابات فيها مرة أخرى..قرار أشبه بعملية قيصرية طارئة لمولود كان يعاني من اختناق حتى قبل أن يرى النور.
هذا القرار، بغض النظر عن التفسيرات والتأويلات، يضعنا أمام حقيقة مرة لكنها لا تحتمل الجدال: برلمان سيولد ولادة غير صحية، هل قراراته وقوانينه ستكون صحية؟
نعم، الاعتذار عن هذه اللغة التشخيصية واجب، ولكنها الحقيقة التي لا مفر منها.. فالولادة المتعثرة، في أي كائن حي أو مؤسسة، تترك آثاراً وخيمة على صحته وقدرته على أداء مهامه بشكل طبيعي في المستقبل.
هنا يبرز السجل المحفوف بالمخاطر:
1. شرعية مهزوزة: كيف ستكون شرعية مجلس ناشئ عن انتخابات اضطرت الهيئة المنظمة نفسها إلى الاعتراف بوجود خلل في بعض دوائره؟ حتى مع التصحيح، تبقى وصمة عار في شهادة ميلاده.
2. ثقة مفقودة: كيف يمكن للناخب أن يثق في مؤسسة بدأت مسيرتها تحت ظل شكوك كبيرة؟ الثقة هي رأس المال الأساسي لأي مجلس منتخب، فإذا فُقدت أصبح المجلس جسداً بلا روح.
3. استقلالية مشكوك فيها: التدخل الرئاسي، وإن كان في صلب تحقيق النزاهة، يطرح تساؤلاً حول مدى استقلالية هذه العملية برمتها.. وهل سيكون هذا المجلس قادراً على ممارسة دور الرقابة على الحكومة بكل حرية، أم أنه سيبقى تحت ظل “الوصاية” التي ساعدت على ولادته؟
4. قوانين “مشوهة”: الخطر الأكبر لا يكمن في الولادة المتعثرة بحد ذاتها، بل في “المنتج النهائي” للمجلس، وهو القوانين والتشريعات.. هل سنرى قوانين تخدم الصالح العام، أم أنها ستكون انعكاساً للخلل الهيكلي الذي ولدت منه؟ القانون الذي ينبع من رحم غير سليم، كيف يمكن أن يكون سليماً؟
لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية الخطوة التي تمت لتصحيح المسار، فهي بلا شك أفضل ألف مرة من السير في طريق مغلوط.. لكنها تبقى مؤشراً على مرض مزمن في الجسد الانتخابي يحتاج إلى علاج جذري، وليس مجرد مسكنات.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: هل ستكون هذه الصدمة كافية لإنعاش المولود الجديد وتمكينه من أن يعيش حياة طبيعية؟ أم أنها مجرد بداية لمسيرة طويلة من الضعف والتبعية؟
الجميع يراقب.. والوقت وحده كفيل بالإجابة.